ميتا والذكاء الاصطناعي الذري: خطة نووية بقدرة 6.6 غيغاواط
لم يعد الصراع المحتدم في وادي السيليكون يقتصر على التنافس حول من يمتلك أذكى الخوارزميات أو أسرع الرقائق الإلكترونية، بل تحول المشهد إلى ساحة جديدة كلياً تتمحور حول "أمن الطاقة". ومع إعلان شركة ميتا (Meta) عن خطتها الطموحة لتأمين 6.6 غيغاواط من الطاقة النووية، يبدو أن العالم قد دخل رسمياً عصر "الذكاء الاصطناعي الذري".
وكما تظهر الصورة المرفقة التي تعبر عن خطوة ميتا كجزء من سباق تسلح تكنولوجي عالمي، فإن الاندماج بين القوة الحوسبية الهائلة والطاقة النووية المستدامة بات الركيزة الأساسية لضمان ريادة تكنولوجية لا تتوقف.
العطش الرقمي وحلول الطاقة المستدامة
منذ اللحظة التي أطلقت فيها شركات التقنية الكبرى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وجدت نفسها أمام معضلة مزدوجة تجمع بين التحدي الأخلاقي والتقني. فمن ناحية، يتطلب تدريب وتشغيل نماذج متطورة مثل "إل لاما" (Llama) والبنية التحتية لـ "الميتافيرس" (Metaverse) كميات فلكية من الكهرباء.
ويتضح من الصورة المرفقة لكريس كوكس، كبير مسؤولي المنتجات في ميتا، خلال مؤتمر للمطورين، أن شركات التقنية الكبرى تواجه تحديات حقيقية مع إطلاق هذه النماذج، حيث التزمت في الوقت نفسه بأهداف مناخية صارمة للوصول إلى "صفر انبعاثات".
وفي حين كانت الطاقة الشمسية والرياح هي الحلول التقليدية، إلا أن طبيعتها المتقطعة لا تتناسب مع مراكز البيانات التي تحتاج للعمل بنسبة 99.99% على مدار الساعة. هنا برز دور الطاقة النووية بصفتها طاقة "الحمل الأساسي" (Baseload)، لكونها نظيفة، مستقرة، وكثيفة الطاقة.
استراتيجية ميتا النووية: الماضي والحاضر والمستقبل
تعادل القدرة التي تسعى ميتا لتأمينها (6.6 غيغاواط) ما يكفي لإمداد أكثر من 5 ملايين منزل بالكهرباء. ولتحقيق ذلك، رسمت الشركة استراتيجية متنوعة تعتمد على ثلاث ركائز رئيسية:
- المفاعلات التقليدية (Vistra): لضمان "الأمان اللحظي"، تعاقدت ميتا مع شركة فيسترا لضمان تدفق فوري للطاقة من محطات قائمة، مع تمويل ترقيات لرفع كفاءتها.
- المفاعلات الصغيرة (Oklo): تراهن ميتا على المستقبل بالتعاون مع شركة أوكلو لبناء المفاعلات النمطية الصغيرة (SMRs)، التي يمكن تشييدها بالقرب من مراكز البيانات لتقليل فاقد النقل.
- تكنولوجيا الصوديوم (TerraPower): تمثل الشراكة مع شركة تيراباور (التابعة لبيل غيتس) قمة الابتكار، باستخدام مفاعلات تعتمد على تبريد الصوديوم السائل بدلاً من الماء، لتعزيز الأمان والكفاءة.
انتعاش اقتصادي وتحديات تنظيمية
ساهمت استثمارات ميتا، والتي تبعتها خطوات مماثلة من مايكروسوفت وغوغل، في ضخ دماء جديدة في الصناعة النووية الأمريكية التي عانت طويلاً من الركود. هذا التوجه يبشر بخلق آلاف الوظائف المتخصصة في ولايات مثل أوهايو وبنسلفانيا، محولاً "حزام الصدأ" القديم إلى مركز لطاقة المستقبل.
تعمل هذه الصفقات كـ "اتفاقيات شراء" تقلل المخاطر المالية وتشجع البنوك على تمويل المشاريع النووية. ومع ذلك، تواجه الخطة تحديات جسيمة، أبرزها:
- الجدول الزمني: تتطلب المفاعلات سنوات طويلة للحصول على التراخيص البيئية والأمنية.
- القبول الشعبي: مخاوف السكان من بناء مفاعلات قرب تجمعاتهم أو مراكز البيانات.
- عدالة الطاقة: مخاوف من احتكار المواقع الاستراتيجية ورفع التكاليف على المستهلك العادي.
السباق نحو السيادة الحوسبية
يرى المراقبون أن هذه التحركات هي جزء من سباق تسلح تقني؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطبيق للهواتف كما توضح الصورة المرفقة، بل أصبح أداة للقوة الوطنية. فمن يمتلك الطاقة لتشغيل أضخم الحواسيب، سيمتلك القدرة على تطوير أسرع الحلول في المجالات الطبية والعسكرية والاقتصادية.
تسعى ميتا، من خلال هذه الخطة التي تستهدف عام 2035، إلى تحصين نفسها ضد تقلبات سوق الطاقة وضمان أن "دماغها الاصطناعي" لن ينطفئ أبداً، مما يحولها إلى كيان "تكنو-صناعي" يساهم في تشكيل السياسات المناخية العالمية ونموذج التنمية المستدامة الجديد.
التعليقات 0
سجل دخولك لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!